القاضي عبد الجبار الهمذاني
207
شرح الأصول الخمسة
ولنا في الجواب عن ذلك طريقان : إحداهما : طريقة جدلية ، وهي أن نقول : إن ما ذكرتموه من النفع غير ما استدللنا به وبمعزل عما أوردناه ، فلا يلزمنا الجواب عن طريق الجدل . والثانية : طريقة علمية ، وهي أن نقول تبرعا ، إن أحدنا كما يختار الحسن لما ذكرتموه من النفع ودفع الضرر ، فقد يختاره لحسنه ولكونه إحسانا . والذي يدل على ذلك وجوه : منها ما ذكره شيخنا أبو هاشم ، وهو أن أحدنا لو خير بين الصدق والكذب وكان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر ، فإنه يختار الصدق على الكذب ، لا ذلك إلا لحسنه وكونه إحسانا ، وإلا فالنفع فيهما سواء . ومنها ما ذكره شيخنا أبو الهذيل ، واستدل به أبو إسحاق بن عياش ، وغيره من مشايخنا ، وهو قولهم قد ثبت أن اللّه تعالى فاعل للحسن وعالم به ، فلا يخلو ، إما أن يفعله لاحتياجه إليه وذلك مستحيل عليه ، أو يفعله لحسنه وكونه إحسانا على ما نقوله . وهذا لأن العالم لما يفعله لا يفعل إلا لهذين الوجهين ، فإذا بطل أحد الوجهين نفي الآخر . الحسن للحسن لا للمنفعة : وقد ذكر قاضي القضاة أن أحدنا لو لم يفعل الحسن إلا لجر منفعة أو دفع مضرة لوجب أن لا يوجد في عالم اللّه تعالى منعم على غيره ، لأن المنعم إنما يكون منعما إذا قصد بالمنفعة وجه الإحسان إلى الغير ، حتى لو لم يكن كذلك لم يكن منعما . وعلى هذا فإن البزاز إذا قدم الثياب الفاخرة إلى المشترين ليأخذ في مقابلها الذهب فإنه لا يكون منعما عليه لما كان غرضه به نفع نفسه لا نفع المشتري ، وقد قيل : إن كل عاقل يستحسن بكمال عقله إرشاد الضال ، وأن يقول للأعمى وقد أشرف على بئر يكاد يتردى فيه : يمنة أو يسرة لا ذاك إلا لحسنه وكونه إحسانا فقط . فإن قيل : ما أنكرتم أنه إنما يفعله رجل للثواب ، أو طلبا للمدح ، أو هربا من النوم ؟ قيل له : إنا نفرض الكلام في رجل قاسي القلب ، جافي الفؤاد لا يبالي بهلاك الثقلين ، ولا يحتفل بالمدح والذم ، ملحد زنديق ، لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، ولا يقر بالثواب والعقاب ، ومعلوم أنه والحال هذه يستحسن بكمال عقله إرشاد الضال وأن يقول للأعمى والحال ما ذكرناه : يمينة أو يسرة ، ولا وجه لذلك إلا حسنه وكونه إحسانا . وقد سلك شيخنا أبو عبد اللّه البصري طريقة أخرى ، وهي أن كل عاقل ،